ابن قيم الجوزية
553
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ثابت « 1 » له سبحانه بكل وجه ، وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال ، إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة ، ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ، ولا فعل اختياري يقوم به ، وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهى ، ولا يثيب ولا يعاقب ، ولا يعطي ولا يمنع ، ولا يعز ويذل ، ويهين ويكرم ، وينعم وينتقم ويخفض ويرفع ، ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته ، ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه ، فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك ، وهذا يبين أن المعطّلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه ، ويأنف أحدهم أن يقال في أميره وملكه ما يقوله هو في ربّه ، فصفة ملكية الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به ، والكل منه سبحانه ، فلم يتوقف كمال ملكه على غيره ، فإنّ كلّ ما سواه مسند إليه متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه ، يوضحه : الوجه الرابع عشر : أنّ كمال ملكه بأن يكون مقارنا بحمده ، فله الملك وله الحمد ، والناس في هذا المقام ثلاث فرق . فالرسل وأتباعهم أثبتوا له الملك والحمد ، وهذا مذهب من أثبت له القدر والحكمة وحقائق الأسماء والصفات ، ونزّهه عن النقائص ومشابهة المخلوقات . ويوحشك في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة الذين لم يتحيزوا إلى نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام . الفرقة الثانية الذين أثبتوا له الملك ، وعطّلوا حقيقة الحمد ، وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل القائلين بأنه يجوز عليه كل ممكن ، ولا ينزه عن فعل قبيح ، بل كلّ ممكن ، فإنه لا يقبح منه ، وإنما القبيح المستحيل لذاته كالجمع بين النقيضين ، فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته
--> ( 1 ) تستقيم العبارة إذا كانت ( والمعنى : الملك الحقيقي . . . ) .